فخر الدين الرازي

219

المطالب العالية من العلم الإلهي

حاجة إلى التمسك بهذا الخبر . ويمكن أن يقال : فائدة هذا الخبر : أن يعلم أن الاستدلال بمثل هذه الحجة منقول عن أكابر الأنبياء - عليهم السلام - وذلك من أعظم الفوائد . واللّه أعلم . الحجة الثانية : روى أبو داود في سننه ، بإسناده ، عن علي بن أبي طالب قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « لا يؤمن عبد ، حتى يؤمن بأربع : يشهد أن لا إله إلا اللّه . وأني رسول اللّه بعثني بالحق . ويؤمن بالبعث بعد الموت . ويؤمن بالقدر » وزاد بعضهم : « خيره وشره » . قال الإمام الداعي إلى اللّه ، فخر الملة والدين ، محمد الرازي ، ختم اللّه له بالحسنى : هذا الترتيب موافق لكتاب اللّه . وذلك لأنه تعالى فصل أحوال الفرق الثلاثة في أول سورة البقرة . وهم المؤمنون والكافرون والمنافقون . ثم ابتدأ بدلائل التوحيد ، فقال : اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثم ثنى بدلائل النبوة فقال : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا ثم ثلث بأمر البعث والقيامة ، فقال : وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ : أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ ثم ربع بأمر القدر ، فقال : يُضِلُّ « 1 » بِهِ كَثِيراً ، وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً فصارت الأمور الأربعة المذكورة في الخبر ، هي الأمور المذكورة في أول كتاب اللّه تعالى بذلك الترتيب من غير فرق . إذا عرفت هذا فنقول : لا نسلم أن المراد بالقدر : الخلق ، بل لفظ القدر ، قد يستعمل أيضا في الكتابة . قال الشاعر : واعلم : بأن ذا الجلال قد قدر * في الصحف الأولى ، التي كان سطر . ويستعمل أيضا في الحكم . قال تعالى : إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ « 2 » وفي آية أخرى : قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ « 3 » أي حكمنا

--> ( 1 ) بين اللّه في نهاية الآية أنه لا يضل إلا الفاسقين . ( 2 ) سورة النمل ، آية : 57 . ( 3 ) سورة الحجر ، آية : 60 .